فلسطين فن وتاريخ: جفرا

الأهازيج وأغاني الأعراس هي من أهم الوسائل التي استخدمها ويستخدمها الفلسطينيون لتوثيق تاريخهم. وقد لا تقتصر تلك الوسائل على الكلمات فقط ولكنها تمتد إلى كل انتاج فكري وثقافي وفني. فمثلاً، خلد الفنان المقدسي سليمان منصور قصة الشهيدة لينا النابلسي في لوحة اعتبرت من أجمل ما انتجه الفن الفلسطيني في القرن العشرين.

ورغم أن الفلسطينيين يتغنون بفنهم وثقافتهم، فيبقى الكثيرون فرائس للإهمال في توثيق البعد التاريخي للانتاجات الفنية. وتكمن أهمية الالمام بهذا البعد التاريخي في القدرة على فهم وتحليل الكلمة وضربة الفرشاة. فارتباط تلك الانتاجات بقصتها يساهم في ترسيخها وتخليدها ضمن الكنز الثقافي الفلسطيني ويصونها من الاندثار. ولذلك ارتأينا في موقع “الثوابت” أن نوثق (أو نجمع توثيقات) البعد التاريخي لانتاجاتنا الفنية من خلال سلسلة “فلسطين فن وتاريخ”. لنصنع جسراً يربط الفلسطيني الشاب بماضيه لكي يستطيع بدوره العبور بها إلى مستقبله.

جفرا (والصحيح في اللغة جفرة) هي من أكثر العناوين ارتباطاً بالقضية الفلسطينية. وأصبح الاسم يطلق على العديد من المواليد الفلسطينيين. رغم أن القليل يعلمون البعد التاريخي لنشوء هذا الاسم. وجفرة في المعجم الوسيط هي جمع “الجفر”. والجفر هو ما عظم واستكرش من ولد الشاة والمعزى. وهو البئر الواسعة التي لم تبن بالحجارة.

من لم يعرف جفرا فليدفن نفسه“. تلك هي جملة شعرية كتبها الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة في قصيدته “جفرا الوطن المسبي”. في هذه الابيات الشعرية يتحدث الشاعر عن حبيبته “جفرا النابلسي” والتي استشهدت بنيران القصف الصهيوني لبيروت عام 1976. وجفرا النابلسي هي طالبة فلسطينية كانت تدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت. ومنذ نشر القصيدة في اللبنانية عام 1976 ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة أجنبية، وأشهر من غناها مارسيل خليفة وخالد الهبر. ولم تقتصر شهرة جفرا على المستوى العربي فقط، بل اشتهرت عالمياً. تحولت “جفرا” إلى فيلم يوغوسلافي تضمن الأغنية بصوت مارسيل خليفة، عُرض في مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1980. كما تحولت إلى رقصة على ألحان خليفة في مدينة (برنو) السلوفاكية. وأنشدها أحد نجوم المسرح الفرنسي بالفرنسية في مسرح موليير في باريس عام 1997، بعد أن ألقاها الشاعر المناصرة بالعربية، بحضور فدوى طوقان، ومحمود درويش، وبحضور (جاك دريدا) فيلسوف التفكيكية الفرنسي، الذي وصفها بقوله (كأنها السحر بعينه).

ورغم الدور الكبير لقصيدة المناصرة في شهرة “جفرا” ولكن جفرا في الثقافة الفلسطينية لم تكن وليدة تلك القصيدة. فمن أشهر الأهازيج الفلسطينية في الأفراح “جفرا وهي يالربع“. وتعود قصة جفرا إلى أربعينيات القرن العشرين. وقد كان مسرحها بيادر وطرق قرية فلسطينيّة وادعة من قضاء عكّا تدعى الكويكات. واقتباساً من موقع (http://jafrastory.blogspot.com/2010/03/blog-post_8359.html) فإن بطلها شاب مفتول العضلات والشوارب يحترف قول العتابا والزجل يدعى أحمد عبد العزيز علي الحسن ، ويعرف بالقرية بإسم أحمد عزيز ، وقد أعجب هذا الشاب بفتاة من القرية تدعى (رفيقة نايف حمادة الحسن) ، وهام بها أيّما هيام ، ولقبّها بالجفره تشبيها لها بإبنة الشاة الممتلئة الجسم ، وبدأ بالتشبيب بها بقصائده وعتاباه ، وملاحقتها من مكان لآخر، ولكن هي لم تبادله نفس الشعور على الإطلاق. وعقد قران أحمد على رفيقة، لمدة أسبوع، لكنها هربت من بيته، لأنها أبلغته أنها تعشق (محمد إبراهيم العبدالله)، ابن خالتها، وقد أصبح زوجها لاحقاً، بينما تزوج (أحمد عزيز) كما يناديه أهل الكويكات بامرأة أخرى ولكن أشعاره بها كانت قد صارت على كل لسان ، وطارت بها الركبان في القرى والبلدات المجاورة ، ومنها

جفرا وهي يالرّبع= ريتك تقبريني
وتدعسي على قبري = يطلع نهر ميّه
التي حوّرها القوّالون بعده إلى ميرميّه

وهناك الكثير مثلها، ولم يعرف بالضبط إن كانت له، أم أنّها من تأليف زجّالين أخر، لأنّ الكثيرين أخذوا ينظمون على اللحن نفسه منذ ذلك الحين وإلى وقتنا هذا
والمعروف أنّ الشاعر، والفتاه، لجئا مع أهلهما إلى لبنان بعد النكبة، وربّما يكون هو قد أقام في عين الحلوة، كما أفاد أخانا ياسر، ولكن الجفرا أقامت مع أهلها في مخيّمات بيروت، ومن ثمّ في حارة حريك. وقد توفيت بطلة القصة في نيسان عام 2010.

مصادر:
– عز الدين المناصرة: (الجفرا والمحاورات، وشعرية العنب الخليلي)، دار ورد، (ط2)، عمَّان، الأردن، 2009.

قصيدة “الجفرا الوطن المسبي”

أرسلتْ لي داليةً وحجارةً كريمة
مَنْ لم يعرفْ جفرا فليدفن رأْسَهْ
من لم يعشق جفرا فليشنق نَفْسَهْ
فليشرب كأس السُمِّ العاري يذوي , يهوي ويموتْ
جفرا جاءت لزيارة بيروت
هل قتلوا جفرا عند الحاجز, هل صلبوها في تابوت ؟؟
جفرا أخبرني البلبلُ لّما نَقَّر حبَّاتِ الرمِّانْ
لّما وَتْوَتَ في أذني القمرُ الحاني في تشرينْ
هاجتْ تحت الماء طيورُ المرجانْ
شجرٌ قمريٌّ ذهبيٌّ يتدلّى في عاصفة الالونْ
جفرا عنبُ قلادتها ياقوتْ
هل قتلو ا جفرا..قرب الحاجز هل صلبوها في التابوت ؟
تتصاعدُ أُغنيتي عَبْر سُهوب زرقاءْ
تتشابه أيام المنفى ,كدتُ أقول :
تتشابه غابات الذبح هنا وهناك .
تتصاعد أغنيتي خضراء وحمراءْ
الأخضر يولد من الشهداء على الأحياء
الواحةُ تولد من نزف الجرحى
الفجرُ من الصبح إذا شَهَقَتْ حبّاتُ ندى الصبح المبوحْ
ترسلني جفرا للموت، ومن أجلك يا جفرا
تتصاعدُ أغنيتي الكُحيَّلة.
منديلُكِ في جيبي تذكارْ
لم ارفع صاريةً إلاَّ قلتُ : فِدى جفرا
ترتفع القاماتُ من الأضرحة وكدتُ اقولْ :
زَمَنٌ مُرٌّ جفرا … كل مناديلك قبل الموت تجيءْ
في بيروت ، الموتُ صلاةٌ دائمةٌ والقتل جريدتُهُمْ
قهوتُهمْ ، والقتل شرابُ لياليهمْ
القتل اذا جفَّ الكأس مُغنّيهمْ
وإذا ذبحوا … سَمَّوا باسمك يابيروت .
سأعوذُ بعُمّال التبغ الجبليّ المنظومْ
هل كانت بيروتُ عروساً ،هل كانت عادلةً … ليست بيروتْ
انْ هي إلاّ وجع التبغ المنظومْ
حبَّاتُ قلادته انكسرتْ في يوم مشؤومْ
انْ هي إلاّّ همهمة لصيّادين إذا غضب البحر عليهمْ
انْ هي الاّ جسد إبراهيم
إنْ هي الاّ ابناؤك يا جفرا يتعاطون حنيناً مسحوقاً في فجرٍ ملغومْ
إنْ هي الاّ اسوارك مريامْ
إنْ هي الاّ عنبُ الشام
ما كانت بيروت وليستْ ، لكنْ تتواقد فيها الاضدادْ
خلفكِ رومٌ
وأمامكِ رومْ. !!!
للأشجار العاشقة أُغنّي.
للأرصفة الصلبة ، للحبّ أُغنّي .
للسيّدة الحاملة الأسرار رموزاً في سلَّة تينْ
تركض عبر الجسر الممنوع علينا ، تحمل أشواق المنفينْ
سأغني .
لرفاقٍ لي في السجن الكحليّ ، أُغني
لرفاقٍ لي في القبر، أغني
لامرأةٍ بقناعٍ في باب الأسباط ، أغني
للعاصفة الخضراء ، أغني
للولد الاندلسيّ المقتول على النبع الريفيّ ، اغنّي .
لعصافير الثلج تُزقزقُ في عَتَبات الدورْ
للبنت المجدولة كالحورْ
لشرائطها البيضاء
للفتنة في عاصفة الرقص الوحشيْ
سأغنّي .
هل قتلوا جفرا ؟؟
الليلةَ جئنا لننام هنا سيّدتي … يا أُمَّ الأنهارْ
يا خالة هذا المرج الفضيْ
يا جدَّة قنديل الزيتونْ
هل قتلوا جفرا ؟؟
الليلة جئناكِ نغّني .
للشعر المكتوب على أرصفة الشهداء المغمورين ، نُغنّي
للعمّال المطرودين ، نغّني
ولجفرا … سنُغنّي .
جفرا … لم تنزل وادي البادان ولم تركضْ في وادي شُعَيبْ
وضفائرُ جفرا ، قصّوها عن الحاجز ، كانت حين تزور الماءْ
يعشقها الماء … وتهتز زهور النرجس حول الاثداء
جفرا ، الوطن المَسْبيْ
الزهرةُ والطلْقةُ والعاصفة الحمراءْ
جفرا…إنْ لم يعرفْ من لم يعرفْ غابة تُفَّاحٍ
ورفيفُ حمام ٍ… وقصائد للفقراءْ
جفرا…من لم يعشق جفرا
فليدفنْ هذا الرأس الاخصر في الرَمْضاءْ
أرخيتُ سهامي ، قلتُ : يموتُ القاتل بالقهر المكبوتْ
منْ لم يخلع عين الغول الاصفر … تبلعُهُ الصحراء .
جفرا عنبُ قلادتها ياقوتْ
جفرا ، هل طارت جفرا لزيارة بيروت ؟
جفرا كانت خلف الشُبَّاك تنوحْ
جفرا … كانت تنشد أشعاراً … وتبوحْ
بالسرّ المدفونْ
في شاطيء عكّا … وتغنّي
وأنا لعيونكِ ياجفرا سأغنّي
سأغنّي
سأُغنّي .
يا بيروتُ أُ غنّي.
كانتْ … والآنَ : تعلّقُ فوق الصدر مناجل للزرعِ وفوق
الثغر حماماتٌ بريّةْ.
الزهرةُ تحكي للنحلةِ ، الماعز سمراء،
الوعلُ بلون البحر ، عيونكِ فيروزٌ يا جفرا.
وهناك بقايا الرومان : السلسلةُ على شبكة
هل عرفوا شجر قلادتها من خشب اليُسْرِ وهل
عرفوا أسرار حنين النوقْ
حقلٌ من قصبٍ ، كان حنيني
للبئر وللدوريّ إذا غنَّى لربيعٍ مشنوقْ
قلبي مدفونٌ تحت شجيرة برقوقْ
قلبي في شارع سَرْوٍ مصفوفٍ فوق عِراقّية أُمّي
قلبي في المدرسة الغربيّةْ
قلبي في النادي ، في الطلل الأسمر في حرف نداءٍ في السوقْ
جفرا ، أذكرها تحمل جرَّتها الخمرية قرب النبعْ
جفرا، أذكرها تلحق بالباص القرويْ
جفرا ، أذكرها طالبةً في جامعة االعشّاقْ.
من يشربْ قهوته في الفجر وينسى جفرا
فَلْيدفنْ رأسَهْ
مَنْ يأكلْ كِسْرتَهُ الساخنة البيضاءْ
مَنْ يلتهم الأصداف البحرية في المطعم ينهشُها كالذئبْ
من يأوي لِفراش حبيبتهِ، حتى ينسى الجَفْرا
فليشنقْ نفَسَهْ.
جفرا ظلَّتْ تبكي ، ظلَّتْ تركض في بيروتْ
وأبو الليل الاخضرِ ، من أجلكِ يا جفرا
يشهقُ من قهرٍ شهقتَهُ… ويموت

Comments

  1. محمد says:

    بداية جميلة وأرجو الغوص في التراث الفلسطيني لاستخراج كنوزه.
    عندما أسمع مواويل زريف الطول أفهم معنى الإعجاب بالطول من تشبيه الطويل بالزرافة، لكن البعض يقول ظريف الطول فلا أدري ما هو الصواب وما هو المعنى.

  2. hassan hammani says:

    التحصيل اللغوي والتفاعل بين النص والمتلقي

    الباحث:
    حسن حماني

    تعتبر جمالية التلقي محاولة لتجديد التاريخ الأدبي الذي وصل حسب “ياوس”*(1978) إلى طريق مسدودة، وتمثل ذلك في قوله: “إن تاريخانية الأدب ليست متضمنة في علاقة التحام تتحقق بين أحداث أدبية، ولكنها تقوم على تجربة يكتسبها القراء
    من الأعمال أولا”، أي أنها مرتبطة بتجربة المتلقي، المتمثلة في كيفية تعامله مع النص الأدبي. وهذا الأمر يستوجب الانطلاق من مفاهيم مختلفة تساعده على بلوغ المعنى المقصود، ومنها مفهومي التحصيل والتفاعل بين النص والمتلقي. وهما مفهومان أثارا إشكالين:
    ـ الأول: التحصيل اللغوي والتلقي أية علاقة؟
    ـــ أما الأخر: كيف يتم إبراز المعنى من خلال التفاعل بين النص والمتلقي؟

    1ـ التحصيل:
    يعد التلقي فعلا يعتمد على “عملية التحصيل اللغوي، والتعرف على النص، وحفظ العلامات النصية في الذاكرة”. وتشكل هذه العناصر مبادئ أساس في كل قراءة يعتمد عليها القارئ كأساس، لتمكنه في نهاية الأمر من تحديد المضمون الإيحائي الذي يرمز إليه النص. فلو انتفى عنصر من هذه العناصر، لما كان هناك فهم لوظيفة النص، ولا لطبيعة الرسالة التي يقدمها، وبذلك تشكل عناصر التحصيل اللغوي والتعرف المعطيات أساس التلقي والقراءة ككل، إذ بفضل هذه المكونات يتهيء القارئ لقراءة النص، كمرحلة أولى نحو فهمه وتأويله.
    وترتبط عملية التحصيل اللغوي بشحن القارئ بمعارف يحصل عليها من خلال تفاعله مع النص، وتتباين هذه المعارف بتباين المرجعيات والمنطلقات اللغوية التي ينطلق منها القارئ في قراءاته، إذ نجد النص يزود قارئه بمعارف شتى، منها ما هو مرتبط بالجانب التركيبي للغة، أو بالجوانب الدلالية المختلفة المرتبطة ببناء النص، وكذا بالدوافع الكامنة وراء إنتاجه، وكذا الخلفيات التي يعتمد عليها المؤلف قصد بلورة موقفه، ومنها ما له علقة بالجوانب التداولية للنص. ولهذا يفترض في المتلقي أن يكون موسوعة ليتمكن من فهم مكامن النص، حتى يستطيع ملء الفجوات التي تعتريه. وقد تمكن الموسوعة القارئ النموذجي من القيام بدور الاستحضار والاستجماع للمعنى، والتفاعل مع المقروء، والقيام بعملية النفي والإثبات لما يقرأ، أي يقوم بكل ما يتعلق بدور القارئ أثناء القراءة. من تم ينتقي النص قارئه المناسب المشارك في إنتاج المعنى، وكما أن النص يشكل قبليا موسوعة ما، يجلبها القارئ من الخارج ومن خلال القراءة، تطور لدى القارئ موسوعة خاصة تكون بحاجة إلى أن تصل إلى حدود الإمساك به، مغريا إياه، في غالب الأحيان بتغيير تصوراته السابقة وتعديل مستقبله المتوقع. من تم يكون القارئ صورة لموسوعة ما مجلوبة إلى النص، ومبنينا لمثل هذه الموسوعة داخل النص، لتحيين البنيات الخطابية، يقول “إيكو” من أجل تحيين البنيات الخطابية فإن القارئ يواجه التمظهر الخطي بنسق القواعد التي توفرها اللغة، التي كتب بها النص، وتوفرها القدرة الموسوعية، التي تحيل عليها هذه اللغة ذاتها”. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الموسوعة هي الكيان المناسب لدراسة النص، والعنصر المساعد للقارئ على إدراك أبعاد النص.

    ومن هنا يبدأ القارئ الموسوعي في تكوين تصور عام حول طبيعة النص، ويمكن تسمية ذلك بالمحاولات الأولى لفهم النص، إذ يقتضي منه ذلك تفكيك النص إلى أجزائه البسيطة، وتركيز اهتمامه على التسلسل الزمني للأفعال داخل النص، لتحديد فحواه العميق، وكذا تحديد العناصر المتباينة فيه، بحسب أهميتها داخل مستواه الداخلي.
    وعليه يمكن القول، إن هذه المرحلة تشكل خطوة مهمة داخل السنن اللغوي، إذ يسعى المتلقي من وراءها إلى الإستئناس بالنص، وفي الوقت نفسه تشكل عنده ركيزة أساس يعتمد عليها في تأويله للنص.

    إن القراءة كما يراها إيزر “لاتنظر إلى التواصل على أنه علاقة ذات اتجاه واحد من النص إلى القارئ، بل تنظر إليه في اتجاهين متبادلين من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص في إطار علاقة متبادلة”.
    مصطفى العمراني، “القراءة والتأويل بين إيزر وإيكو”فكر ونقد، ص:71

    2ـ التفاعل بين النص والقارئ
    إن الشيء المركزي في كل عمل أدبي هو التفاعل بين بنيته ومتلقيه وهذا ما جعل النظرية الجمالية للفن تولي اهتماما لقراءة العمل الفني، التي لا يجب أن تعنى بالنص الفعلي فحسب، وإنما تعنى بالأفعال المتعلقة باستجابة قارئ نموذجي يمكن أن يقدم معان تأويلية للنص حسب كفاءته.
    ومن هنا نلاحظ أنه للعمل الأدبي حسب “إيزر” قطبين* القطب الجمالي والقطب الفني هو النص المؤلف والقطب الجمالي هو الإنجاز المحقق من قبل القاري يقول ياوس: “إن التلقي بمفهومه الجمالي، يعني ذات وجهين، إذ تشمل الأثر الذي ينتج العمل الفني، وطريقة تلقيه من لدن القارئ؛ ويمكن للقارئ أن يستجيب للعمل بعدة أشكال مختلفة، فقد يستهلكه، أو ينقده وقد يعجب به أو يرفضه، وقد يتمتع بشكله، ويؤول مضمونه، ويتبنى تأويلا مكرسا، أو يحاول تقديم تأويل جديد، وقد يمكنه أخيرا من أن يستجيب للعمل بأن ينتج بنفسه عملا جديدا، فـ”ياوس” يقسم المتلقين إلى مستهلك وناقد ومبدع، وعليه يعتبر مسألة التأثير هي الوجه الأول لعملية التلقي عنده، وهذا التأثر قد تنتج عنه ردود فعل حسية، أو إبداعية أو نقدية تأويلية.
    وبالنظر إلى القطبية السابقة، فإنه من الواضح أن العمل نفسه لا يمكن أن يتطابق مع النص، أو مع وجوده الفعلي، ولكن يفرض أن يقع في مكان ما بين الاثنين، فالعمل من حيث طبيعته، موجود وجوداً فعليا وبشكل محتوم، كما لا يمكنه أن يختزل إلى واقعية النص أو إلى ذاتية القارئ، ومن وجوده الفعلي هذا تنشأ ديناميته.
    وبما أن القارئ يمر عبر آفاق متعددة يقدمها النص ويربط بين وجهات نظر مختلفة ومتنوعة، فإنه سيفتح الباب أمام العمل كما يفتحه لنفسه، وبذلك سيحرر العمل ويجعله ينطلق، كما سيحرر نفسه ويجعلها تنطلق أيضا، ويفتح بذلك في بنية النص ذاته. إنه بنية محايثة للمتلقي “أو شروط التلقي” التي يهيئها النص لمجموع قرائه المحتملين، لذلك فالنص حسب “إيزر” نظام تركيبي توافقي قد خصص فيه مكان للشخص المكلف بتحقيق تلك التوافقات فيه، وعليه يكون له دور مركزي داخل النص، وبدونه لا يمكن أن نسلط الضوء على النص.
    وبهذا الاعتبار فالنص المصوغ يتضمن دائما نصا آخرا، والقارئ هو المسؤول عن إيضاحه وتأويله، وفي هذا الازدواج يوفر الكاتب منبعا للتعددية السمانطيقية الخاصة بالإنتاج الأدبي، بمعنى أن ما لم يقله النص ويكلف به القارئ هو “بنية إبداعية” تقوم عليها حرية المتلقي في التأويل لكنها حرية محدودة لأنها مراقبة وموجهة.
    فالنص الأدبي عند “إيزر” لا يوحي بواقع مرجعي، ولكنه يمثل نموذجا أو مثالا Pattern مؤشرا مبنيا لتوجيه القارئ، وعليه فهذا القارئ الذي ينتظره النص وقد خصص له مكانة ودوراً في بنيته الداخلية، يهدف إلى تحقيق غرضين مزدوجين ومتكاملين هما تحقيق النص وبناء معناه أو أحد معانيه، وتحقيق الذات وبناء كيانها، وهذا النشاط القرائي الذي ينفع فيه القارئ وينتفع به يتم من خلال تشغيل مجموعة من المحفزات المحركة لعملية التلقي، والمساعدة بشكل كبير للمتلقي على بلوغ الغاية والهدف المقصود داخل النص الأدبي، حيث أن النص الفني لا يمكن أن يفهم في إطار الواقع المادي فحسب، وإنما تتحدد العلاقة بينهما في كونها علاقة تفاعلية تمكن وظائف النص المبدئية من ضبط سياق الواقع وتحديد معالمه الكبرى دون أن تتدخل فيه باعتباره جزئيات ودقائق تشكل الحياة اليومية التي يعيشها الأفراد، أي أن وظائف النص لهما تأثير على واقع الفرد.
    وإذا كان الموقع الفعلي للعمل يقع بين النص والقارئ، فإن تحققه هو بشكل واضح، نتيجة تفاعل الاثنين، كذلك فإن التركيز الكلي على تقنيات المؤلف أو نفسية القارئ سيكشف لنا، بشكل ضئيل، عن عملية القراءة نفسها. وليس هذا إنكارا للأهمية الأساسية لكل من القطبين، إنه ببساطة إذا ما فاتت المرء رؤية العلاقة، فستفوقه رؤية العمل الفعلي، وبهذا فالقراءة هي الكاشفة للنص ووجودها رهين بوجود التفاعل بين القطبين: النص، والمتلقي. وما دام أن النص الأدبي يجاوز ذاته إلى شيء آخر غير مما هو عليه فإن مفهوم القراءة كمشاركة يفرض نفسه بالضرورة وأهم مصطلح يعالج في هذا الجانب، هو المتعلق بـ “وجهة النظر الجوالة”* فبحكم أن النص الأدبي لا يمكن أن يقرأ دفعة واحدة وفي أن واحد، فإن القارئ مرغم على القراءة التدريجية، لذلك يندمج في بنيات النص ويعدل لحظة مخزون ذاكرته في ضوء المعطيات الجديدة لكل لحظة من لحظات القراءة، وما دام مرتكز قراءة العمل الأدبي حسب هذه التوجهات، هو التفاعل بين العمل ومتلقيه، فإنه ينبغي التركيز في الوقت نفسه على تقنيات الكاتب وعلى الأفعال* ا المرتبطة بالتجاوب مع النص أيضا الذي يستمد حيويته من القراءة الفاعلة المتجاوزة للمتواليات اللفظية إلى ما ينشأ عن تجميعها ومقارباتها من دلالات ملازمة وغير ملازمة، وهذا ما يدعو إلى التمييز بين طبيعة الشك وطبيعة الإدراك؛ فالشكل بنية منفتحة على السياق لكن لحظة الإدراك منغلقة على معنى يحدده القارئ، وهو معنى متماسك وقابل الإدراك. بمعنى علاقة جزء بكل، أي علاقة الإدراك الفردي بالقراءة المنفتحة وتعدد التأويل.
    وعليه يمكن القول إن إنتاج الرسائل لا يمكن أن يتم إلا بحسب تفاعل حيوي ومتعدد المكونات، ينبثق بين المؤلف والمتلقي، بواسطة الفعل ورد الفعل الذي يصبح بدوره فعلا، للفهم والإدراك، والذي ينتج بدوره فاعل الإدراك. *
    والملاحظ أن “إيزر” ينطلق من كون التجربة النصية، والتجربة الجمالية عموما، “متعالية” بالنسبة لمجموع تجارب القارئ المترسبة وأفكاره المسبقة، ولذلك فإن عملية بناء المعنى يجب أن تكون مشروطة بالنص وليس بأفكار القارئ الموجهة، وما أفكار القارئ إلا عنصرا مساعداً لفهم وإدراك العمل الأدبي. وبهذا فالعمل الإبداعي لا يتم إلا من خلال المشاركة التواصلية الفعلية بين النص والقارئ ويوحي هذا، بأن العمل الإبداعي يتكون من عنصرين أساسيين: النص الذي قوامه المعنى، وهو يشكل أيضا تجربة الكاتب الواقعية والخيالية، والقارئ الذي يتقبل أثار النص الأدبي سواء أكانت إيجابية أم سلبية في شكل استجابات شعورية ونفسية (ارتياح- غضب- متعة…).

  3. hassan hammani says:

    الباحث والشاعر:
    حسن حماني

    جغرافية الحلم

    أريد أن أعيش طليقا
    وأجعل العالم تفاحة بنفسجية
    وألا أخضع أفكاري للسلطة القضائية
    وأجعل الوطن المغربي
    أجمل الأوطان العربية
    وأجعل العالم بوصلة رباعية
    ………………………….
    ………………………………
    وأعتبر الأرض جنة متلألئة كالمزهرية
    ومليئة بالكنوز الطبيعية
    وأعتبر السماء لامعة بالأحرف الأبجدية
    وأجعل أحلامي مليئة بالأطياف الحقيقية
    وأجعلك أنت ياقدس ياقوتة ذهبية
    نجمة خضراء في مساحة حمراء قانونية
    مرفوعة بعمود في مكانة عالية
    وأجعلك في ذهني سلطانة عربية
    ……………………………….
    يفتح لك القلب وتشتهيك النفس الإنسانية
    وتتدفق معك الأحاسيس والمشاعر العاطفية
    وترحل إليك عصافيري النفسية.
    لتشرب من بحيراتك القلبية
    ومستنقعاتك العاطفية، الوجدانية
    ……………………………….
    ……………………………….
    ياقدس يامدينة السلام
    يا جمهورية الإحساس والحياة الفتية
    يا أيتها العصفورة القادمة من المياه البحرية
    ويا أيتها الحمامة التي تتلو كلمات الحنان بالفرنسية
    وتتلو كلماتي باللغة العربية
    يا أهل التأملات الإسلامية
    ………………………….
    ……………………………….
    ……………………………………
    يا قدس ويارمز الصفاء والإحسان والتضحية
    إنني أضعك يا صاحبة الإسم الجميل في الأحلام الليلية
    زمن الشوق والحنان البعيدين عن الآثار الجراحية
    زمن التفكير في أرقى وأزهى مدينة عربية.

Trackbacks

  1. […] refer to the Arabic Version. Share this:TwitterFacebookEmailLike this:LikeBe the first to like this. Filed Under: Arts & […]

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: