طفلٌ تخربشهُ السنين

١

للصَّرخةِ الأولى انفعالٌ وانفعالٌ.

أوَّلاً تجتاحُ ذهنكَ دَهْشَةٌ سحريَّةٌ

بعْدَ انْدِهاشكَ، فَرْحَةٌ،

فَرحٌ فُجائِيٌّ رقيقٌ، كالهُدوءِ بُعَيْدَ عاصفةٍ.

يزَمْجِرُ طِفلُكَ الباكي.

يميلُ السَّرْوُ أَبْطَأَ.

غرفةٌ بيضاءُ يملَؤُها صراخٌ لا إراديٌّ.

حنينٌ تحت هذا السقفِ، مختلفٌ حياديٌّ بسيطٌ.

كلُّ عِرْقٍ فيكَ يدعو للتفاؤُلْ.

٢

يَمْتازُ جسْمُكَ بالرشاقَةِ -أيُّها المنسيُّ بينَ ذويكَ-.

تمضي في الحياةِ كنحلةٍ جبَليَّةٍ، والكلُّ أبطَأُ منكَ.

رزقُكَ لم يَعُدْ سهلا ً كباقي الأمنياتِ،

تعِبْتَ جدًّا مِن مُلاحقةِ الحقيقةِ بالخيالِ.

وأنتَ تركضُ في الحديقةِ تعرِفُ الأشياءُ صمتَكَ من بعيدٍ،

إذ تراقِبُكَ اليمامةُ كلَّ يومٍ،

كوبُ جارِكَ،

حائطٌ،

دَلْوٌ صغيرٌ،

دميةٌ مفقوعةُ العينينِ،

وامرأةٌ كذلكَ لا تُقابِلُها سوى عند الحديقةِ.

تعرفُ ما تقولُ إذا صَمَتَّ وتاهتِ الكلماتُ،

لكنْ لا تقولُ، بصوتِها المبحوحِ، إلا ما يَسُرُّكَ دائمًا.

تُعطي اليمامَةَ خبزَها، فتطيرُ نحوَ الوِكْرِ مُسرعةً.

تمرُّ عليكَ،

ثمَّ تقولُ للشمسِ الوحيدةِ – وَهْيَ تنظُرُ نحوها –

[قد جاءَ يومي قبلَ يومِكِ.. بعدَ موعدهِ.]

وغابتْ في الزحامِ كأنها لم تأتِ إطلاقاً إلى هذا المكانِ.

نظرْتَ خلفَكَ كي تراها مرةً أخرى.

رأيتَ يمامتينِ تحلِّقانِ معًا

وتتَّجهانِ نحوَ شُجَيْرةٍ خلفَ المباني والظِّلالْ.

٣

ها أنتَ، والطفلُ الصغيرُ أمامَ زوجتكَ الجميلةِ

قدْ تعلَّم كيف يمشي. (أنتَ مرهونٌ.) لقدْ فاتتْكَ أوَّلُ خطوةٍ.

لكنْ كأنَّكَ قدْ نسيتَ؟

وربَّما قد مرَّ عبرَ خيالِكَ الوجهُ الذي يزدادُ حسنًا كلَّ يومٍ.

-وجهُ ريتّا-

ما لِجسمِكَ يقشعِرُّ؟

نعم لقدْ أحبَبْتَ ريتا في الحديقةِ.

لم تجدْ سببا سوى سهمَ المحبَّةِ

وائتِلافَ الروحِ بالروحِ الذي تحتاجُهُ أيضًا كطفلِكَ.

فجأةً يمتصُّ قلبَكَ صوتُها: [اُنْظُرْ أمامكَ وانْتَبِهْ!]

(فتلومُ نفسكَ، ترقصُ الرغَباتُ فيكَ، تلومُ نفسكَ.)

هذهِ دوَّامةُ الماضي تعودُ إليكَ ثانيةً،

ظننْتَ بأنَّها رحلَتْ ولكنَّ النوافذَ أرجعَتْها

حيثُ كانتْ في خيالكَ، في فؤادكَ في حواسِّكَ كلِّها،

معها حنينٌ غامضٌ أيضًا. حنينٌ ساحرٌ.. ريتا..

٤

في كلِّ أغنيةٍ أراكِ وفي عناقِ أحبَّتي

تتراقصينَ .. وبعدَ حينٍ تجلسينَ على رصيفٍ هادئٍ.

في عالمي هذا الكثيرُ من المصائبِ، أنتِ منها يا أميرةَ منطقي

ولسانَ حالي. أنتِ بركانٌ وزلزالٌ وعاصفةٌ تمزِّقُني وتمسحُ إسميَ

المدفونَ في لغتي.. وأنتِ رقودُ قلبٍ عند قارعة الطريقِ. هناكَ أرقدُ

كلَّ حينٍ، فَلْتنامي جانبي. فالكلُّ يعرفُ أنَّنا حجَرانِ ملتهبانِ.

هذِي أرضُنا، هذا الشعاعُ شعاعُنا والضوءُ يعكِسُنا.

لنقفِزْ من مرايا العالمِ الدامي معًا. لنَكُنْ يدانِ تصفقانِ

لكلِّ مطرقةٍ تَدُقُّ حديدَ صوتٍ صادقٍ. لنكُنْ إذاً.. لنكُنْ إذاً.

٥

وبدَأْتَ يومكَ باتِّصالٍ هاتفيٍّ – لستَ تعرفُ أين أنتَ – تُجيبُها:

[ريتا..] وتصمُتُ.. ريثما يزدادُ خدَّاكَ احْمِرارًا. أنتَ في الصالونِ،

تخطو مسرعًا بين الأثاثِ. هناكَ عصفورانِ خلفَ زجاجِ نافذةٍ تطلُّ

على الحديقةِ. لا تقولُ لها بأنَّكَ مولَعٌ، لكنَّ صمتكَ فاضحٌ. تهتزُّ،

ترتعشُ. الأمورُ جميعها قد أصبحتْ نسبيَّةً، حتى أثاثُ البيتِ

أو صوتُ العصافيرِ الصغيرةِ. فجأةً صوتٌ جميلٌ واثقٌ من نفسهِ

كسَرَ الحواجِزَ كلَّها، لكنَّ ذهنَكَ غيَّبَتْهُ الأمنياتُ. تقولُ: [قُلْ.]

فتُفيقُ ثم تُجيبها: [هلَّا ذهبتِ إلى الحديقةِ قبلَ عصرِ اليومِ؟]

تسمعُ صوتَ كوبٍ عندَها.

[ريتا؟]

[.. سآتي.]

[أحضِري معك الرِّوايةَ.]

[أيُّ واحدةٍ؟ لماذا؟]

لا تجيبُ على سؤالَيْها وتُنهي الإتِّصالْ.

٦

[ما بالُها؟ لمَ لا تحدِّقُ بي؟]

وتنسى أنَّ جسمَكَ ليسَ مرئيًّا لها.

المقعدُ الخشبيُّ كالإسفنجِ، يمتصُّ الظِّلالَ.

ترى العصافير الصغيرةَ كلَّها تزدادُ حجمًا

ريثما تهوي النُّجومُ ويستفيقُ البرقُ.

أنتَ هنا، ولكنَّ الحديقةَ أصبحَتْ جزءً

صغيرًا من خيالِ حبيبتِكْ.

[لا تَرْتَبِكْ.]

وتبسَّمَتْ لكَ ثمَّ قالتْ: [مدَّ لي يدَكَ الجميلَةَ.]

تصبِحُ الدنيا سرابًا بل فضاءً لا نِهائياًّ بلَمْستِها.

تذوبُ كشمعةٍ وتقولُ: [لكنْ.] ثمَّ تغمضُ فترةً عينيكَ.

تشعُرُ بانقِلابٍ بعدَ أوَّلِ قُبلَةٍ.

٧

مطرٌ خفيفٌ. هاجسٌ في قلبكَ المقلوبِ.

ترفضُ أن تنامَ، وأنتَ مُسْتَلْقٍ. هناكَ سماءُ إلهامٍ.

هنا أرضُ الحقيقةِ. أنتَ تحتاجُ الحقيقةَ والخيالَ معاً

لتحيى مثلَ كلِّ الناسِ. لكنْ ما الحقيقةُ؟ ما الخيالُ؟

تجولُ أسئلةٌ وأجوبةٌ. تقومُ. تبحثُ عنكَ، تبحثُ جيِّدًا. لا.

حينها أمرٌ غريبٌ مثلَ صاعقةٍ يُصيبُكَ. قد فَقَدْتَ الآنَ شيئاً غاليًا

من بعدِهِ أشياءَ أكثرَ قيمةً ما عُدْتَ تعرِفُ ما اسْمُها.

طفلٌ يزمجرُ. (لا أريدكِ يا حياةُ)

أأنتَ ترقدُ في سرير غريبةٍ؟ ماذا جرى؟

يزدادُ شوقُكَ للِّقاءِ بحبِّكَ المجنونِ: ريتا.

٨

ريتا هناكَ، كتابها معها.

وتفتحُهُ لتُكمِلَهُ، لتغرَقَ فيهِ.

أنتَ هنا، تراها من بعيدٍ،

بل تُراقِبها وراءَ شُجَيْرةٍ. وكأنَّها أُيقونَةٌ.

وكأنَّ قلبَكَ صارَ طفلاً لا يريدُ سوى المحبَّةِ

عندما اكتشفَ المحبَّةَ.

أينَ زوجتكَ الجميلةُ يا عزيزي؟ أين طفلُكَ؟

نائمانِ

كما العصافيرُ الصغيرةُ. إنَّ هذا الفجرَ

يدعو للتفاؤلِ. أنتما يقظانِ، والأوراقُ تسرِقُها،

وتسرقُ قلبها. لمَ لا تحدِّثها؟ لماذا؟

[أينَ كنتَ؟] تقولُ والشكُّ المريبُ يكادُ يهزِمُها.

وأنتَ تخطو نحوها لا تَرْقُصُ الأشياءُ حولَكَ

مثلما كانتْ، ولا يمتصُّ ظلَّكَ مِقعَدٌ. ريتا تراكَ،

ولستَ مُختفياً عن الأنظارِ. هل ستلومها مثلاً؟

أتهربُ؟ هل ستنساها؟

وتركضُ

مثلَ طفلٍ يائسٍ من كل شيءٍ

تتركُ الرَّغَباتِ والآمالَ،

تتْركُ غصَّة ً في حلقِها.

يوسف نايف

، ه٢ سنة يعشق الشعر و يأمل أن يصبح شاعرا. يمكن التواصل مع يوسف هنا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: