كل نكبة وأنتم أنكب

naji-al-ali-refugees-21

في حديث النكبة (1)

كل نكبة وأنتم “أنكب”!

لا أخاطبكم هذه المرة باسم الشعب المهجر، فأنا لست ابنة النكبة، ولم يحدثني أجدادي يوما عن هجرة أرعبتهم وفرقتهم وقصَّت طريق المحبة والشمل كي تقصه، ولا عن مفتاح حملته جدتي في صدرها تدفئه وتخاف عليه الصدأ، ولن أحكي أبدا عن قصة الولد الذي ضاع بين المشاة، فهذا الولد لم يكبر ليصبح أبي أو عمي أو حتى والد أحد أصدقائي، كما لن أحدثكم عن الرضيعة المعلقة على شجرة الزيتون في بيارات يافا والتي تذكرها أهلها عند المجدل فعادوا مشاة كي يجدوها غارقة في شرنقتها على وشك أن تتحول إلى مومياء، لا فراشة، فهذه البنت أيضا شاهدت قصتها في فيلم قصير طويل على شاشة سينما في مكان ما، ولا تمت لي بصلة!

ولن أحكي لكم عن لقائي الأول بقرية مهجرة من بنات النكبة، تحولت أرضها من بيارات إلى مرتع لروث البقر والبعوض وما تيسر من حشرات وقوارض، ولن آتي على ذكر أنين الحجارة من هجران أصحابها في يافا اليتيمة، وآخر ما يجول في خاطري أن أتطرق إلى تمثال الحوت ذي البطن الأجوف الرابض بقسوة على سور عكا، انتفخت أحشاؤه فانفجرت قهرا، ربما، أو تخمة، فما أكثر تلك الأرواح التي ابتلعها البحر الهائج وهم ينشدون له “هيلا يا واسع”…

لن أحكي لكم عن هذا أو ذاك، فأنا لست ممن قامت أرواحهم فجأة من أجل وطن ضاع في ليلة لم تسمح أبدا لضحاها أن يشرق، فأنا ولدت بعد النكبة بسنين كثيرة، أكثر من أن أعدها على أصابع يدي مرة واحدة، ولن أطيل عليكم بما بح به صوت التشريعات الدولية والأمم المُتَلَحِّمَة وكل أساتذة وجهابذة وخبراء القانون على هذا الكوكب، فهذا كله نعرفه، نشربه يوما بيوم كأسا مراً ملئ بالسم، ونرضعه قبل الحليب، كفلسطنيين على الأقل إن لم يكن كبشر محسوبين عليهم، ونهتف بأن على هذه الأرض ما يستحق “المعس”!

سأحكي لكم اليوم عن قصة ذلك الشاب الذي حاصرته النكبة وقت النكسة، وكل ما رشح عنها من آلام ومصائب. قصص وحكايات أرعبت مخيلته التي عرفت حبه لكتاب الفيزياء وإبداعه في هذا المبحث العلمي، فترك بيته وأهله في قريته الصغيرة، خوفا من أن تغلق الدنيا في وجهه وهو الساعي بعد أن أنهى امتحان “التوجيهي” بتفوق إلى أن يكمل دراسته الجامعية. جملة “سكرت البلاد” عشية النكبة ظلت تزن في مسامعه، وحوصر أهلها فيها سنين طوال، وغابت عنهم الوثائق التي تسمح لهم بالسفر والتنقل والدراسة بأريحية. في ذلك الوقت، عند النكسة، لم يكن في الضفة الغربية أي جامعة، فقط بعض المعاهد.

رفض هذا الشاب وبكل جوارحه أن يحتل المحتل حلمه أيضا، مثلما أجهز على أرضه كلها وتركه بلا وثيقة أو هوية تجعله منتميا لمكان ما. وقرر أن يترك هذا البلد الغارق في نكبته الجديدة بهويتها الجديدة “النكسة”، فلا فرق إن تغير شكل الحرف في منتصف الكلام، المهم أن كل هذا يحمل هوية واحدة: الاحتلال.

يومها، ركض أبوه خلفه في أروقة البلد، يرجوه أن يعود، والشاب بفورته يرفض. يرجو الأب، والشاب يرفض. ويرجو الأب، والشاب غاب في سيارة حملته إلى الضفة الأخرى، معتقدا أنه سيلاقي الحلم ويعود يوما ما حاملا على كفه عِلما يعينه على نصر البلد أمام المحتل! هذا الشاب كبر في الاغتراب، يصارع ذاكرة النكبة في جزئيها المؤرخين حسب الكتب ونكبته الخاصة الناتجة عن النكبات الوطنية، لم يعرف للبلد طريقا إلا بعد سنوات طويلة، صار له من الأولاد والبنات من رباهم على النكبات بكل تفاصيلها، حتى كبر الصغار، وظنا منه بأنه يخدمهم لما تبقى من عمر ووطن ولأنه غير قادر على الحياة في الوطن فلا هوية تساعده على الدخول بعد إلى تلك الأرض، أبقاهم في اغترابهم، مانحا إياهم الحق في العودة متى شاؤوا. فكان الخيار الأقسى عليه هو فقط: اختاروا غربة فوق غربة. فرحلوا واحدا تلو الآخر كل يشق طريقه في بلد مختلف.

النكبة ليست فقط على من اضطر قسرا ليهاجر عام 1948، أو قبله أو بعده، هذه النكبة أفرزت نكبات تنز منها نكبات ونكبات ومنذ 66 عاما لا يزالوا يقفزون  من نكبة إلى أخرى بغض النظر عن البهارات التي غيرت من نكهتها في كل مرة. هي ذات المشاهد في بيوت كل الفلسطينيين تتكرر بتواتر يثير الشفقة على الزمن والعالم والوقت الذي عجز عن الإبداع في ابتكار وسائل أخرى يحيي بها النكبة، التي صارت العنوان الأساس للتشرد في الأرض والتي خلقت مصطلحا أعمق من شعب الله المختار هو “شعب الله المنكوب”، وخلف عددا يقارب السبعة ملايين من “المناكيب” الذين احتاروا وهو يعلمون أحفادهم عن قراهم أو ومدنهم التي طمرت إما ملامحها كاملة أوهويتها مع ملامحها في تحديد أي تاريخ آخر عقب تاريخ الهجرة…

وكل نكبة وأنتم أنكب!

ضحى الوزني، فلسطينية ولدت وعاشت في دولة الإمارات العربية المتحدة، حاصلة على درجة الماجستير في الترجمة من الجامعة الأمريكية في الشارقة، وتتخصص في مجال الإتصال الإعلامي والعلاقات العامة. انتقلت للعيش في فلسطين مؤخرا، يدفعها لذلك حبها لفلسطين وشغفها الدائم بخدمتها وإظهار صورتها الجميلة أمام العالم. 

Doha Al Wazany, Palestinian. Born and raised in the UAE, holds an MA in Translation and Interpretation from the American University of Sharjah (AUS). Communications and PR expert. Currently lives in Palestine driven by her passion for this land and the desire to present its beautiful sides to the world. She tweets here.

Comments

  1. very nicely written

    • Doha Al Wazany says:

      thank you! 🙂

      • ناصر says:

        من قاسى النكبة وأوجاعها لا يدعو أن تكون كل نكبة أسوأ من التي قبلها بل يدعو بالفرج لكل المنكوبين. كل عام وأنتم إلى التحرير أقرب.

  2. فقدان الانتماء هو النكبة: إلى أين أنتمي إلى فلسطين التي رحل عنها والدي بغية الرجوع؟ أم إلى أشباه أوطانٍ لا تقبل بنا إلا (أجانب أو وافدين) ؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: